إيران تعيد رسم نفوذها في العراق.. خلايا جديدة لتفادي التتبع

قالت مصادر أمنية واستخباراتية عراقية إن الحرس الثوري الإيراني أنشأ مجموعات مسلحة عراقية صغيرة يصعب تتبعها، في إطار تحرك يهدف، بحسب المصادر، إلى الحفاظ على أدوات نفوذ طهران في العراق مع اقتراب الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة.
وأضافت المصادر أن إيران تتعامل مع الفصائل المسلحة والسلاح باعتبارهما أوراقاً للتفاوض على المستوى الإقليمي، مشيرة إلى أن زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد تأتي في مرحلة تشهد إعادة رسم خطوط التماس السياسية بين طهران والحكومة العراقية.
ومع اقتراب انتهاء مهلة حصر السلاح، تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً متزايدة للمضي في تنفيذ القرار، وسط تحذيرات من تداعيات دولية واقتصادية محتملة في حال عدم الالتزام به، بما في ذلك إجراءات قد تطال قطاعات حيوية مثل النفط.
ويتزامن الموعد المحدد لحصر السلاح مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ما قد يضعف إحدى الحجج الرئيسية التي تستخدمها بعض الفصائل المسلحة لتبرير احتفاظها بقدراتها العسكرية.
ارتباك داخل الفصائل
واعتبرت المصادر أن بياناً صدر أخيراً عن متحدث باسم إحدى الفصائل المسلحة يعكس حالة من الارتباك أكثر مما يعكس قوة، خصوصاً أنه جاء في مواجهة توجهات الحكومة وموقع رئيس الوزراء.
وقالت إن البيان حاول حشد الفصائل الأخرى التي سبق أن وافقت على تسليم أسلحتها، إضافة إلى محاولة استنفارها في حال اتخاذ إجراءات ضد قيادات في بعض الفصائل المسلحة.
وترى المصادر أن مصدر القوة الأساسي لهذه الجماعات يرتبط بالدعم الإيراني، ولا سيما من الحرس الثوري، وأن الهدف من ذلك يتمثل في عرقلة مسار حصر السلاح بيد الدولة والحفاظ على نفوذ طهران داخل العراق.
وأضافت أن العراق يواجه اختباراً حساساً يتعلق بسيادة الدولة، في ظل تأكيدات بأن الحكومة ماضية في تنفيذ سياسة حصر السلاح، رغم الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية التي تحيط بالملف.
ثلاثة مرتكزات لنفوذ الفصائل
وبحسب المصادر، يستند نفوذ الفصائل المسلحة إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها القدرة المالية، إذ يرتبط بعض عناصرها بتشكيلات داخل هيئة الحشد الشعبي ويتلقون رواتب منها، ما يجعل فك الارتباط بين التشكيلات المسلحة ومؤسسات الدولة أحد الملفات الأساسية المطروحة.
أما العامل الثاني فهو القدرات العسكرية، إذ تمتلك بعض الجماعات مستودعات ومقار معلنة وسرية تضم صواريخ وطائرات مسيّرة ومقذوفات، خارج منظومة السيطرة المباشرة للأجهزة الأمنية.
ويتمثل العامل الثالث والأكثر حساسية في العمق الإقليمي والنفوذ الإيراني، إذ تقول المصادر إن الحرس الثوري غيّر أسلوب عمله خلال المواجهات الأخيرة، واتجه إلى إنشاء مجموعات أصغر حجماً يصعب رصدها والوصول إلى عناصرها، مع اعتمادها على خلايا وأفراد لتنفيذ عمليات محددة.
وبحسب هذه الرواية، فإن هذا الأسلوب يهدف إلى تقليل إمكانية استهداف الهيكل التنظيمي للفصائل، مع الإبقاء على قدرة تنفيذ عمليات عند الحاجة.
هل يتحول العراق إلى ساحة مواجهة؟
وترى المصادر أن توقيت زيارة قاليباف إلى بغداد يحمل أهمية سياسية وأمنية، في ظل مساعي إيران للحفاظ على نفوذها الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية.
وأضافت أن طهران قد تلجأ، في حال تعرضها لضغوط أو ضربات واسعة تهدد بنية نظامها، إلى توسيع نطاق المواجهة وربط الساحة العراقية بالصراع الإقليمي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الفصائل والمجموعات المسلحة المرتبطة بها.
وخلصت المصادر إلى أن إيران تتعامل مع السلاح والفصائل كأدوات تفاوض إقليمية، معتبرة أن زيارة قاليباف تهدف جزئياً إلى اختبار مواقف الحكومة العراقية ورسم حدود جديدة للتعامل السياسي مع ملف الفصائل المسلحة.
مهلة أيلول تحت الاختبار
وقال خبير أمني إن المهلة المحددة لحصر السلاح تنتهي في نهاية أيلول/سبتمبر، وإن تطبيقها سيكون اختباراً لقدرة الحكومة على ترسيخ سلطة مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات الأمنية والقضائية والتنفيذية.
وأشار إلى أن الحكومة حصلت على دعم سياسي واسع من قوى مشاركة في العملية السياسية، إلى جانب مساندة من مؤسسات الدولة وعدد من المرجعيات والشخصيات السياسية.
وبحسب الخبير، فإن هذا الدعم يضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر لتنفيذ تعهداتها المتعلقة بحصر السلاح ضمن المؤسسات الرسمية في الموعد المحدد.
مساعٍ لتقليص السلاح في المنطقة
وفي السياق نفسه، قال خبير أمني آخر إن الولايات المتحدة تدفع باتجاه تقليص انتشار السلاح في عدد من دول الشرق الأوسط، بما فيها العراق، تمهيداً لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستفادة من موارد الطاقة في بيئة أكثر استقراراً.
وأضاف أن وجود فصائل مسلحة مرتبطة بأطراف إقليمية يمثل أحد العوامل التي تعقد جهود تحقيق الاستقرار، مشيراً إلى أن الجماعات المسلحة تراقب خطوات الحكومة ومدى جديتها في تنفيذ سياسة حصر السلاح.
ويضع ذلك الحكومة العراقية أمام معادلة صعبة بين تنفيذ قرار حصر السلاح، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وإدارة علاقاتها مع القوى السياسية والفصائل المسلحة، في وقت يتداخل فيه الملف العراقي بصورة متزايدة مع التوترات الإقليمية.




